هم الأمل، لنتعلّم منهم

تم نشرها
jamal.homs, student

عضو منذ ٢٩ سبتمبر، ٢٠١٦
  • 1 المشاركة

ميس، البالغة من العمر 11 عاماً، لا تستطيع حمل جرة الغاز بيديها الصغيرتين، فتدفعها أمامها. والدها مفقود وتساعد أهلها في المنزل، لم تفارق البسمة وجهها حين كنت أتحدث إليها خلال حملة العودة إلى التعليم التي تدعمها اليونيسف وكنت متطوعاً فيها.

ميس، البالغة من العمر 11 عاماً، لا تستطيع حمل جرة الغاز بيديها الصغيرتين، فتدفعها أمامها. والدها مفقود وتساعد أهلها في المنزل، لم تفارق البسمة وجهها حين كنت أتحدث إليها خلال حملة العودة إلى التعليم التي تدعمها اليونيسف وكنت متطوعاً فيها. "سوف أصبح رسامة عندما أكبر. فأنا أحب كل ما هو جميل." – قالت ميس.


بعد بداية الحرب في سوريا، أجبرت الظروف المعيشية الصعبة والتحديات اليومية التي يواجهها الشباب السوريون وعائلاتهم على اتخاذ قرارٍ لا يمكن أن يكون سهلاً على أحد. لم تدع الحرب يوماً لأحدٍ خياراً سهلاً. أن تعيش عمرك في وطنك، على أرضك، بين أهلك وأصدقائك، أن تمر في الشوارع التي عبرتها مراراً حتى أنها هي نفسها التي تتذكر خطواتك؛ أن تجد نفسك فجأةً نازحاً، فاقداً للأماكن التي احتضنت كل ذكرياتك، قد تجد أنك فقدت فجأة أقرب الناس إلى قلبك بسبب حربٍ لم تكن يوماً خيارك، ومن ثم تجد ربما أنه لم يعد لك مكانٌ حيث أنت بعد أن فقدت كل شيء.

ربما هذا ما دفع العديد من الشباب السوري للهجرة بعد شعورهم بأنهم لن يستطيعوا بناء مستقبلهم بشكلٍ جيد في ظل حربٍ لا يبدو لهم أنها ستنتهي قريباً. لكن هل هذا هو الحل؟ هل هو خيارٌ صحيحٌ أم خاطئ؟ هل هو الحل الوحيد أمامنا كجيلٍ شاب لتأمين مستقبلٍ جيد؟

دفعني فضولي كي أحاول أن أعرف رأي بعض الأشخاص من جيلي بهذا الموضوع. أدرس في أحد الجامعات السورية في كلية الهندسة، وعمري 21 عاماً. قمت باختيار عينةٍ عشوائية من زملائي في الجامعة لمعرفة رأيهم طارحاً عليهم عدة أسئلة تغطي رأيهم بالسفر كحلّ لبناء مستقبلٍ ناجح، أو إن كانوا مستعدين لترك الدراسة والسفر للمجهول، وما إن كانوا موافقين على وضع الشباب السوري في البلاد التي هاجر إليها.

الفكرة كانت مرفوضةً تماماً للبعض: "إذا رحل جميع مهندسي البناء، من سيعيد إعمار البلاد حين تنتهي الحرب؟" أجابني أحد المهندسين الذين قابلتهم.

"انا أعلم أن هنالك الكثير من المسؤوليات التي تنتظرنا عندما نتخرج. فبلادي تحتاج للكثير من إعادة الإعمار،" هذا ما قالته لي زميلتي رنا، طالبة الهندسة المعمارية.

غير أن معظم من تحدثت إليهم رؤوا أن الأوضاع التي تمر بها البلاد والضغوط التي سببتها الحرب جعلت السفر هو الحل الوحيد الذي يجدونه مناسباً: "تعبت من أن أفكر كيف سيمضي اليوم، ما إذا كنت سأضطر لترك منزلي مجدداً، إن كنت سأجد عملاً، إن كنت سأستطيع الاستقرار يوماً،" كان جواب أحدهم. "عندما تسنح الفرصة، فالسفر هو الحل الأنسب للجميع،" تابع قائلاً.

"إن أتيحت لي الفرصة لأترك دراستي من أجل سفر يؤمن مستقبلي في مكانٍ آخر، سأفعل،" يخبرني أحدهم. "أتمنى أن تسنح لي الفرصة وأسافر، المستقبل في الخارج أفضل مهما كانت الظروف."

السفر لآخرين كان المفتاح لاستكمال حلمٍ مزقته الحرب: "لم تعد الدراسة هنا مجدية، لم أعد أعرف ماذا سأفعل بعد إنهاء دراستي، أريد السفر لأستطيع أن أتابع دراستي بطريقة تمكنني من العمل في المجالات الواسعة المتوفرة في الخارج،" أجاب أحدٌ آخر.

منذ بدأت الحرب في سوريا، وتحديداً في مدينتي، في حمص، اضطررت وعائلتي أن نترك بيتنا أكثر من مرة بسبب اندلاع القتال في الأماكن التي سكنا بها. وازداد الأمر صعوبةً بعد أن توفي والدي خلال الحرب. كان أبي مصدر إلهامي، كان هو مثلي الأعلى والدافع الأكبر في حياتي. "تابع أحلامك،" كان يقول لي. شكلت وفاته صدمةً بالنسبة لي وخاصةً أنني الأخ الأكبر لأختين ما زالوا على مقاعد الدراسة مما جعلني "رجل البيت" وبشكلٍ أو بآخر المسؤول عنهم، معنوياً على الأقل.

بدأت حينها أشعر أن حياتي تنهار، حين لم أستطع اللحاق بفصلٍ دراسيٍ كامل بسبب الأوضاع السيئة في المنطقة التي كنت أسكن فيها. حين بدت الحياة غير عادلةٍ بالنسبة لي وأن أولوياتي الآن اختلفت عن أي شابٍ آخر في عمري. يئست من نفسي مراراً وتكراراً. في الأيام السيئة، يكون من الخطر حتى أن نتحرك خارج المنزل.

لكنني لم أفقد الأمل أبداً، مارست هوايتي بكثرة وهي التصوير. لست محترفاً ولكنني أحبها جداً. قررت أن أملأ وقتي بما هو مفيد عوضاً عن الاستسلام لمشاعر لن تفيدني ولن تفيد عائلتي.

علمت بعد فترة بوجود ورشة عمل للتصوير الفوتوغرافي تدعمها منظمة اليونيسف. كانت هذه التجربة هي أفضل ما حصل لي منذ أن توفي والدي منذ حوالي الثلاثة أشهر. تعرفت فيها على أصدقاء جدد. قابلت مصورين محترفين وتعلمت منهم الكثير. كنت أشعر بسعادةٍ كبيرة حين كان أولئك المصورون يقدمون لي النصائح والتوجيهات عندما أريهم صوري.

أحد أهم ما تعلمته منهم هو آداب مهنة التصوير والتي يمكن إسقاطها على كثير من مناحي الحياة اليومية. لا يوجد صورة تكلفك حياتك، لا تزعج أي شخص للحصول على صورة، احترم حرية الآخرين، لا تجعل مشاعرك تتدخل في عملك. زاد تعلم هذه المبادئ من ثقتي بنفسي وتغيرت نظرتي للحياة بعد أن أصبحت هوايتي الجديدة تملأ كل أوقات فراغي.

اخترت لمشاركتي عنوان "هم الأمل، لنتعلم منهم" بعد أن عملت كمتطوع في حملة العودة إلى التعليم التي أطلقتها اليونيسف في بداية العام الدراسي. قابلت خلالها العديد من الأطفال وتحدثت معهم عن الأسباب التي تمنعهم من الدراسة. قابلت مجموعةً من الأطفال صغاراً في العمر لكنهم كبار بالفعل والإرادة. أحسست أنهم مصدرٌ للأمل والمستقبل الذي علينا أن نحميه لنستطيع إعادة بناء بلدنا.

رغبت بشدة أن أصطحب هؤلاء الأطفال ليقابلوا زملائي في الجامعة، ليمنحوهم الأمل كما أعطوني إياه. لنتعلم منهم، فكما يكافحون بأعمارهم الصغيرة، علينا نحن أيضاً أن نكافح. لا يجب أن نتخلى عن دراستنا ونذهب للمجهول. لنتعلم، ولنبني سويةً مستقبلاً للبلد.





comments powered by Disqus