عن البطولة الحقيقية: أنت، هم، الجميع!

الصورة الرمزية Freelance Journalist and Blogger
Wael B. Qarssifi
عضو منذ ٤ مايو، ٢٠١٧
  • 1 المشاركة
  • العمر 25

في الغالب عندما ترد إلى مسامعنا كلمة "بطل" فإننا للوهلة الأولى تدور في رؤوسنا صور وأسماء الأبطال الأسطوريين في العصور القديمة، أو الشخصيات الشهيرة عبر مراحل التاريخ والتي قادت جيوشاً وممالك ودول، وربما الأبطال هم الأشخاص الأقل عنفاً الذين ناضلوا وضحوا بحياتهم في سبيل استعادة حقوق الآخرين المسلوبة.

بغض النظر عن الأسماء فإن العامل المشترك في مفهوم البطولة لدينا هي شهرة هؤلاء الأبطال حتى بعد مماتهم بسنوات طويلة، فكما يقول الفيلسوف والكاتب الأسكتلندي توماس كارليل في كتابه الشهير (الأبطال) "إن من أسباب العزاء أن في ذكرى الأبطال العظماء، كيفما كانت، نفعا وفائدة. والرجل العظيم لا يزال بعد موته ينبوع نور يتدفق. فليس أحسن من مجاورته شيء.. نور يضيء، وكان يضيء ظلمات الحياة."

هنا أجد نفسي أمام سؤال أخلاقي ملّح وهو ماذا عن أولئك الذين ضحوا بحياتهم وراحتهم في سبيل القضايا العادلة دون أن يدون التاريخ أسماءهم؟ ماذا عن الآلاف الذين ماتوا تحت رايات أولئك الأبطال الذين نعرفهم حتى اليوم؟

مفهوم البطولة غير العادل

سواء بحثنا من الناحية اللغوية أو من الناحية الاصطلاحية التي تعارف عليها الناس، فإننا نصل دائماً إلى مفهوم واحد للبطولة، وهو البشر غير الطبيعيين في قدراتهم الجسدية أو خارقي القوة والذكاء والشجاعة وغيرها من الصفات التي لا يتمتع بها جميع البشر بالتساوي. إذ نجد تشابهاً كبيراً في التعاريف ما بين معاجم اللغة العربية ومعاجم الإنجليزية مثل أوكسفورد وغيرها من اللغات التي تتفق تقريباً على مفهوم واحد للبطل وهو الشخص الخارج عن الطبيعة من الناحية الجسدية أو النفسية.

هذا المفهوم أصبح يرتبط بصفات الكمال، نجد تأثير ذلك بوضوح في أفلام السينما والتلفزيون، فالبطل يجب أن يكون خارق القوة والذكاء، وفي نفس الوقت وسيماً ومحبوباً، ومن النادر أن يعطى دور البطل في فيلم لشخص لا يمتلك تلك الصفات التي أصبحت من المتطلبات الجماهيرية للبطل.

هذا المفهوم يقصي البشر العاديين مثلنا ويجرد أفعالهم مهما كانت مؤثرة من مفهوم البطولة، ويضعها في خانة (التصرفات الجيدة) ويتجاهل الآلاف بل ومئات الآلاف من البشر الذين يؤدون الأعمال البطولية يومياً ويخاطرون بحياتهم لأجل حماية الآخرين.

رجال الإطفاء الذين يقتحمون الحرائق لينقذوا الأرواح، أو العاملون في منظمات الإنقاذ والإسعاف الذين يعرضون أنفسهم للدفن تحت أنقاض القصف أو الغرق في الفيضانات والعواصف لإنقاذ أرواح أشخاص لا يعرفونهم. هؤلاء هم خير مثال على مفهوم البطولة غير المنصف والذي كثيراً ما يتجاهل البشر العاديين فقط لأنهم ليسوا من مكان معين أو لا يملكون ألقاباً وأتباعاً وجمهوراً، هؤلاء هم الأبطال الذين لن تقرأ الأجيال القادمة أسمائهم في كتب التاريخ.

أبطال التفاصيل

في نظري فإن الأبطال الحقيقيين هم أبطال التفاصيل الصغيرة، أولئك الذين لا توثقهم كتب التاريخ ولا تراهم أعين شاشات التلفزيون والسينما، أولئك الذين يتدخلون بعفوية في المواقف ليصححوا مسارها دون انتظار لأي شكر أو هتاف أو تصفيق.

ليس مطلوباً منا أن نغيّر العالم، أعتقد أن واجبنا الإنساني يمكن في تغيير تفاصيل صغيرة في محيطنا، في عوائلنا، أحيائنا وما بين أصدقائنا، ربما مبادرة صغيرة ضمن مجتمعك الضيق لمساعدة الأطفال المشردين قد تقود إلى تغيير جذري في وضع الأطفال في بلدك، والكثير من المشاريع الكبرى بدأت بمحاولة مساعدة متواضعة.

الشبان والفتيات الذين يجوبون الأحياء لتوزيع الطعام للفقراء، المرأة العجوز التي تزور الحديقة يومياً لتطعم الطيور والقطط، الرجل الذي ساعد عجوزاً على حمل أغراضه الثقيلة إلى منزله، والشاب الموجود في الصورة أعلاه والذي تدخل ليحمي فتاة مقعدة من البلل تحت المطر دون أن يعلم أن هناك كاميرا وثقت عمله البطولي، والآلاف غيرهم في مختلف أنحاء العالم.

هؤلاء تصرفوا كأي بطل حقيقي، لكننا سننساهم عاجلاً أم آجلاً، سيتذكرهم فقط أولئك الذين لامسوا بطولتهم الحقيقة، منذ عمر التاسعة وحتى نهاية حياتي لن أنسى وجه الشاب الذي ساعدني في إخراج كرتي العالقة تحت السيارة عندما كنت استعد للبكاء غضباً من محاولاتي الفاشلة لإخراجها.

أنت وأنا وكل شخص في هذا العالم، يستطيع أن يكون بطلاً طالما امتلك النية والرغبة في مساعدة الآخرين ورسم الابتسامة على وجوههم، لكل منا طريقته المميزة في البطولة، وكل واحد منا بطل في مواقف معينة، سواء عرف الآخرون بذلك أم لا.





comments powered by Disqus