شجرة الزيتون

دون صورة Paramedic at Syrian Arab Red Crescent
Hend Se
عضو منذ ١٣ أكتوبر، ٢٠١٨
  • 2 مشاركة

رثاء للإنسانة الأحبّ إلى قلبي .. الجدّة هي الملاك الحارس لطفولة كلٍّ منّا

رثاء للإنسانة الأحبّ إلى قلبي .. الجدّة هي الملاك الحارس لطفولة كلٍّ منّا

يعلم الله أنّه سيستعصي قدوم كل الأعياد والمناسبات دون بركتُكِ ومباركتُكِ… يعلم الله أنّكِ كنتِ من الذين لوجودهم دوماً معنى... ممن وجودهم يَصنع فرقاً وفراقهم أيضاً يُحدث فرقاً...

والبارحة كانت حكايتكِ الأخيرة ومن بعدها فلتنطفئ كل حكاية لا تَرويها أنتِ..

وِداد... أشعر اليوم بحاجتي أن أناديكِ "وداد" أكثر من احتياجي أن أقول لك "تيتا"

وِداد... وكأنني للمرة الأولى أتذوق وقع هذا الاسم وَأَعي أنّ لكِ من اسمك نصيب لا بل إن لاسمكِ من وداد قلبك نصيب..

أشعر بحاجتي أن أرثي إنسانة كبيرة بعينَي مثلما هي كبيرة بقلبي...

البارحة انطفأت شجرة الزيتون بعد أن وضعت آخر زيتونها وزيتها "مونةً" لنا لتذكّرنا دوماً أنّها، وإن رحلت، ستبقى هي سيّدة الدّار... ونحن الضيوف... زوّارٌ بحضرة حميمية غيابها الحاضر...

لأنّها حاضرة في كلّ شيء واللّا شيء... لأنّ الأشياء، كل الأشياء، من حولك تُشعرك أنّك دخيل ومتطفلّ على تاريخها مع تلك العجوز التي حافظت على بيتها ومجلسها حتى الرمق الأخير...

فتخجل أمام كلّ الجمادات التي اكتسبت الحياة من بصمات "وداد" .. وداد التي تَبحث عنها في كلّ لحظة لتستَأذنَها قبل أن تَضلمس أيّ شيء يخصّها هي ويحمل عطرها هي... وإنّنا لا إرادياً نستأذن بيتها أن يستقبلنا... مقعدها أن نجلس عليه... وأمّا الحيطان فتتوسل لك أن تخفض صوتك كي يبقى صدى ما مضى أقوى...

كلّ قطعة في البيت يفضحها يتمُها... الافتقار يكسو كلّ ما حولَك... الدار باردة رغم دفئها...

تكدّست الوِحدة طبقاتٍ عند الباب والشبّاك...

وحين غادرتُ اليوم بيتَكِ، استحالت الدّار لشقة... والحارة لمجرد شارع ورصيف، وانسلخ كل ما له معنى عن معناه...

وتبرّأَت كل الذكريات من غاز الفراغ المسيل للآهات...

ونحن .. نفتقد الذهب العتيق .. الانتماء لناعورة... لحارة... لحياة كاتب... لحكاية إخوة... لرحلة سيّدة... كلّ هذا الفقد موجعٌ بحقّ...

الأمر أشبه بذاكرة الطفلة التي بداخلي حين كنتِ تزورين بيتنا وبعدها تهمّين بزيارة بيت عمي أو العودة لدارك... لازلت أحتفظ بذلك الشعور وأقيس به كل افتقاد... شعور الفراغ منك لفرط الامتلاء بك والانتماء إليك... لا زلتُ أذكر كيف كنتُ أبكي جوعاً لوجودك حولنا .. تفتحين لنا الباب حين عودتنا من المدرسة ... مواسيةً نفسي أنّكِ ستعودين .. وأدري اليوم أنّه لا عودة .. ولكن ختامٌ جميل ورحيل هادئ لإنسانة أسكنتنا وآنستنا حتى في ساعاتها الأخيرة... إنسانةٌ أحبّت الحياة بكل ما تملك من قدرة على خلق بهجة وإعداد طعام .. وأحبّتنا بكل ما تملك ممّا تملكه ..

لقد رحلوا... تاركين لنا الفخر بأنّنا من تلك الجذور... من صُلبهم و دمائهم... سُمعتهم وأسمائهم...

سلامٌ على آخر قطعة تراثية من الزمن الجميل.. سلامٌ على تاريخٍ كاملٍ عاشته وداد وقاسمتنا الحديث عنه .. سلامٌ على ذاكرة كاملة لمدينتين احتضنهما العاصي .. حماه وحمص... سلامٌ على الصّوت العتيق الذي تخمّر بين أوتار العود وأوتار القلوب... سلامٌ على من كانت أنيقة بانتقاء كلماتها وأدعيتها... سلامٌ على أيام الأبيض والأسود وكلّ ذلك الحضور الراقي الودود...

اللهم ارحم من كانت حتى في لحظاتها الأخيرة حامدة لك راضية بقضائك... إلى التي استمرت بعطائها لنا وثنائها علينا لآخر وقت...

رحلت وداد تاركةً لنا من الوداد ما يكفي ويزيد لتبقى فينا

أجل، البارحة رَوَت لنا حكايتها الأخيرة فلتنتهي قبل أن تبدأ كل حكاية لا تكونين أنت الراوية لها... أو البطلة فيها...

اللهم ارحمها واغفر لها واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة ...






comments powered by Disqus